أحمد بن محمود السيواسي
223
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
وبالفتح « 1 » ، لأن أصله يا أبتاه ( إِنِّي رَأَيْتُ ) في المنام من الرؤيا ( أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ) أي نجما من نجوم السماء ، ونصب « كَوْكَباً » تمييز ( وَ ) رأيت ( الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) أيضا فيه ، وإنما أخر الشمس والقمر بالعطف على الكواكب بيانا لفضلهما على غيرهما ، ويجوز أن يكون الواو بمعنى مع في المفعول عند من قال به . قيل : « جاء يهودي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا محمد ! أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فنزل جبرائيل عليه السّلام فأخبره بذلك ، فقال عليه السلام لليهودي : إن أخبرتك هل تسلم ؟ قال : نعم ، قال عليه السّلام : حريان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروج والفرغ ووثاب وذو الكتفين ، رآها يوسف والشمس والقمر ، نزلت من السماء وسجدن له ، فقال اليهود : إي واللّه انها لأسماؤها » « 2 » . ثم استأنف على تقدير كيف رأيتهم بقوله ( رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) [ 4 ] نصب على الحال من ضمير المفعول وجمعهم جمع العقلاء ، لأنه أخبرهم عنهم بفعل من يعقل وهو السجود وكان النجوم في التأويل إخوته ، وكانوا أحد عشر رجلا يستضاء بهم كما يستضاء بالنجوم » ، والشمس أبوه والقمر أمه » « 3 » ، قاله قتادة ، وقال ابن جريج : « القمر أبوه والشمس أمه » « 4 » ، لأن الشمس مؤنث والقمر مذكر ، وكان يوسف ابن اثنتي عشرة سنة حين رأى هذه الرويا ليلة القدر في ليلة الجمعة . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 5 ] قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 5 ) فلما قصها على أبيه ( قالَ ) له أبوه ( يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ ) بواو ساكنة وبهمزة ساكنة « 5 » قبل ألف التأنيث يختص برؤية المنام ، والرأي بالقلب والرؤية بالعين ، وجواب النهي قوله ( فَيَكِيدُوا لَكَ ) أي فيحتالوا في إهلاكك ( كَيْداً ) أي مكرا قويا بتزيين الشيطان ، لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدونك ، واللام في « لَكَ » صلة لتأكيد التخويف بأبلغ التأكيد فيه ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر بعده ، وفعله منصوب باضمار « أن » بعد الفاء ( إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) [ 5 ] أي ظاهر العداوة تحملهم على الكيد بعداوته القديمة ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الرؤيا الصالحة من اللّه ، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب ، وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به ، وليتفل ثلاثا عن يساره وليتعوذ باللّه من الشيطان الرجيم من شر ما رأى فإنها لن تضره » « 6 » ، وقال : « الرؤيا الصالحة جزء من أربعين أو ست وأربعين جزء من النبوة وهي على رجل طائر ، فإذا حدث بها وقعت - قال الراوي أحسبه قال - لا تحدث بها إلا حبيبا أو لبيبا » « 7 » . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 6 ] وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 ) ( وَكَذلِكَ ) من مقول يعقوب ليوسف ، أي ومثل ذلك الاجتباء الذي اجتباك للرؤيا ورفع منزلتك بها ( يَجْتَبِيكَ ) أي يصطفيك ( رَبُّكَ ) لما هو أعظم منها ( وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) جمع أحداث ، وهو جمع حديث وليس بجمع أحدوثة ، إذ لا يقال أحدوثة النبي كذا ، والمراد من الأحاديث هنا الرؤى جمع الرؤيا ومن تأويلها تعبيرها بما يؤول إليه أمرها عاقبة « 8 » ( وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) بالنبوة وإظهار الإسلام ( وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ ) أي
--> ( 1 ) « يا أبت » : قرأ ابن عامر وأبو جعفر بفتح التاء ، والباقون بكسرها . البدور الزاهرة ، 160 . ( 2 ) عن جابر ، انظر الكشاف ، 3 / 63 . ( 3 ) انظر البغوي ، 3 / 255 . ( 4 ) انظر البغوي ، 3 / 255 . ( 5 ) « رؤياك » : قرأ السوسي بابدال الهمزة واوا ساكنة ، وقرأ أبو جعفر بابدال الهمزة واوا مع قلبها ياء وإدغامها في الياء بعدها فيصير النطق بياء واحدة مفتوحة مشددة . البدور الزاهرة ، 160 . ( 6 ) أخرجه أحمد بن حنبل ، 5 / 303 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 256 . ( 7 ) روى البخاري نحوه ، التعبير ، 2 ، 4 ، 10 ، 26 ؛ ومسلم ، الرؤيا ، 6 ، 7 ، 8 ، 9 ؛ وأحمد بن حنبل ، 4 / 10 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 256 . ( 8 ) عاقبة ، م : - ب س .